الثلاثاء، 5 يناير 2016

الشهيد محمود الهمشري


محمود الهمشري ، مناضل فلسطيني
استشعر الكيان الصهيوني منذ بدايات احتلاله أرض الشعب الفلسطيني قضية «الهوية» مدركًا أن بقاء هوية الشعب الفلسطيني ضمان لاستعادة حقه، ولو بعد حين، لذلك عمد أبناء صهيون إلى محاربة كل ما يحفظ لفلسطين هويتها، ليس فقط داخل الأرض المحتلة، وإنما سعى الصهاينة إلى حصار أي نضال فلسطيني وأية جهود عربية منظمة في الخارج، تسعى إلى تفنيد مزاعم لصوص أرض فلسطين وتعيد الحق إلى أصحاب الأرض.
وأمام كل نضال فلسطيني أو عربي لم يضع العدو الصهيوني لحربه حدودا، فعمد دومًا إلى سياسة التصفيات الجسدية والاغتيالات لكن رموز القضية.
من هؤلاء كان الدكتور محمود الهمشرى – الممثل غير الرسمى لمنظمة التحرير الفلسطينية فى فرنسا، الذي كان من المناضلين الأوائل فى حركة «فتح»، ونجح في إقامة علاقات واسعة مع ممثلي الرأي العام الفرنسي، واستمال الكثيرين منهم لصالح القضية الفلسطينية.
وُلد «الهمشري» في قرية «أم خالد» بقضاء طولكرم عام 1938، وفيها أتم دراسته الابتدائية والثانوية. انتقل إلى الكويت والجزائر حيث عمل في سلك التعليم، والتحق بحركة فتح في‏ لحظات‏ تأسيسها‏ الأولى عام 1967.
أوكلت إليه مهمة‏ العودة للأرض المحتلة‏ ليعمل‏ في‏ تأسيس‏ الخلايا‏ الفدائية عام 1968، وعين معتمدا لحركة فتح وممثلاً لمنظمة تحرير فلسطين في باريس، حيث‏ أقام علاقات إيجابية مع‏ الكثير من المنظمات السياسية الفرنسية.
اتهمته الصحافة الإسرائيلية بلعب دور في عملية ميونخ؛ وحين عجز الموساد عن توجيه ضربات حقيقية وجوهرية لمخططي ومنفذي العمليات الخارجية ضد أهداف صهيونية، قررت إسرائيل أن تضرب أهدافا سهلة، ضد سياسيين، أو ممثلين، أو شخصيات بارزة في المجال الإعلامي كرد اعتبار للكيان الصهيوني، ورفع الروح المعنوية لليهود والصهاينة.
وكعادتها في التعامل مع الموضوع الفلسطيني، كان قرار جولدا مائير، رئيسة وزراء الدولة الصهيونية في ذلك الوقت، سحق هذه الظاهرة الجديدة بالحديد والنار. أما الحُجة فهي نفسها التي كانت دوما جاهزة في الأدراج الصهيونية ولم تتغير حتى يومنا هذا، فالفلسطيني في روايتهم الزائفة «إرهابي» منذ ولادته حتى مماته.
وفي صباح 8 ديسمبر 1972 اتصل شخص بـ «الهمشري»، وادعى أنه صحفى إيطالى يطلب إجراء حوار معه، وتم تحديد مكان اللقاء فى مكتب المنظمة فى باريس، وفى هذه الأثناء قامت عناصر من الموساد بالتسلل لبيت «الهمشري» وزرعت عبوة ناسفة يتم التحكم فيها عن بعد، وضعوها أسفل طاولة الهاتف، ثم دق جرس الهاتف، وما إن التقط «الهمشرى» سماعة الهاتف حتى انفجرت وأصابته بجروح بالغة فى الفخذ، ونقل إلى مستشفى بباريس، وظل يخضع للعلاج دون جدوى حتى توفى يوم 10 يناير عام 1973.
ولم يكتف العدو الصهيوني بتصفية «الهمشري»، بل راح يكرس بمقتله ويرسخ لفكرة أن «الفلسطيني إرهابي»، مستغلا الصحافة الفرنسية التي راحت معظمها تتداول رواية أن «الهمشري» أصيب بالإصابة التي أودت بحياته أثناء تحضيره شحنة ناسفة في بيته.
ورغم اعتراف الرئيس «جورج بومبيدو» بعد 10 أيام من الجريمة في لقاء مع الكاتب والصحفي الفرنسي فيليب دوسانت روبير، بقناعته بأن الموساد هو المسئول عن الجريمة كما كشفه الكاتب في كتابه «سبتمبر الدائم» الذي نشره عام 1977، فإن البوليس الفرنسي لم يعلى أدنى اهتمام بالأمر ولم يسع إلى التحقق من صحة تلك المؤشرات.
فقاضي التحقيق مثلاً لم يكلف نفسه عناء لقاء «الهمشري» خلال الشهر الذي قضاه في المستشفى قبل وفاته، رغم حالة المصاب التي سمحت له باستقبال العديد من أصدقائه ومحبيه ومعارفه.
ورفضت دولة الاحتلال دفن الشهيد في مسقط رأسه «طولكرم» لتغتاله مرة ثانية. ورفض إمام جامع باريس «حمزة بو بكر» فتح باب الجامع أمام الجموع التي احتشدت لتأبين الشهيد، مما أدى إلى صدامات عنيفة مع الشرطة الفرنسية التي اعتقلت على إثرها العشرات من المُشيعين.
وفي النهاية، أقيمت صلاة الجنازة على الشهيد، ودفن في مقبرة «بير لا شيز»، بحضور حشد هائل من الجمهور ومن الأصدقاء والمتضامنين معه ومع قضية وطنه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق