الاثنين، 14 ديسمبر 2020

بوخبزة .. غيفارا العرب الذي حملته فلسطين لمواجهة اليانكي الأمريكي

 بوخبزة .. غيفارا العرب الذي حملته فلسطين لمواجهة اليانكي الأمريكي

عن موقع هسبريس


 الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 -

“أنا يا أخي… آمنت بالشعب المُضيَّع والمُكبَّل..

فحملت رشاشي، لتحمل بَعدنا الأجيال مِنجل..

وجعلت من جُرحي والدِّما للسهل والوديان جدول”.

(من الأناشيد الأولى لحركة فتح)

توطئة:

تعرفتُ على هذا الاسم منذ حوالي عشرين سنة، لكني لم أجد طريقا للوصول إلى معرفة سيرته العطرة إلا بعد مجهودات مُضنية بذلتها حتى أصل إلى المصادر المباشرة لاستخلاص معطيات عن هذا البطل الاستثنائي الذي يختزل في مسيرته آمال أجيال من الشباب وأشواقها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

إننا أمام قصة مثيرة للاهتمام تلك التي تحكيها تجربة هذا المناضل المغربي الشاب الذي التحق بصفوف الثورة الفلسطينية (في كل من سوريا ولبنان) بعد الاجتياح الصهيوني للبنان سنة 1982، حيث تلقى دورات تدريب عسكرية مكثفة هناك، قبل اشتغاله في بلدان كثيرة طبيبا في إحدى المنظمات الإنسانية الدولية، لينتهي به المطاف شهيدا في صفوف الثورة السلفادورية التي كانت واحدة من أشرس الجبهات في مواجهة اليانكي الأمريكي الذي حاول تعويض هزيمته النكراء في فيتنام منتصف سبعينيات القرن الماضي، بتكثيف العدوان على شعوب أمريكا الوسطى والجنوبية متطلعا إلى أن يجعل منها حديقته الخلفية. إنها قصة الطبيب الشاب الدكتور لسان الدين بوخبزة، التي انطلقت منذ ميلاده بتطوان وانتهت في إحدى ضواحي عاصمة السلفادور مطلع سنة 1987 وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره.

الأسرة والنشأة:

كان ميلاد الشهيد لسان الدين يوم 13 شتنبر 1956، ليكون الابن البكر في أسرة من أربعة أبناء (لسان الدين، إجلال، خليل ورفيق)، حيث كان أبوه أحد خريجي جامعة القرويين الذين تولوا مهنة القضاء ضمن الأفواج الأولى لبلد يبحث عن بناء مؤسساته بعيدا عن الهيمنة الاستعمارية، ليرسم واحدة من السير النظيفة في هذه المهنة التي قدم فيها نموذجا للنزاهة ونظافة اليد، حتى تقاعده عضوا في المجلس الأعلى للقضاء. في حين كانت أمّه ربة بيت متعلمة، وهي حالة قليلة حينها في ظل أجواء كانت تعاني فيها المرأة من تهميش وتجهيل كبيرين.

التحق الطفل لسان الدين أولا بالمدرسة الابتدائية بتطوان، حيث كان يتلمس خطواته الأولى في التعليم لحظة رحيل واحد من ملهميه الكبار، يتعلق الأمر برائد حرب التحرير الشعبية الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي. وبعد حركة تنقل واكبت مكان عمل الأب بين تازة والرباط وقبلهما شفشاون والناظور، استقر المُقام بالأسرة في مدينة القصر الكبير حيث أكمل لسان الدين تعليمه الابتدائي هناك بالمدرسة المركزية (أصبحت تسمى ابن خلدون فيما بعد)، “إذ انتبه الأساتذة إلى ذكاء الطفل لسان، فقرروا أن ينتقل مباشرة إلى الفصل الموالي بحكم ارتفاع مستواه؛ وهو ما جعله يربح سنة دراسية كاملة” يقول الأستاذ عبد السلام بوخبزة متذكرا سيرة ولده.


(الأستاذ عبد السلام بوخبزة)

كل ذلك في أجواء طغت عليها النضالات والأنشطة الثقافية والسياسية والنقابية، حيث كانت القصر الكبير حينها واحدة من المواقع التي تغلي بالنضال السياسي والنشاط الثقافي المواكب. يتحدث أحد مجايلي الشهيد لسان الدين، (وكان يصغره بعام واحد)، عن حالة حركة كانت تعرفها المدرسة الابتدائية التي درس فيها الشهيد حينها (المدرسة المركزية)، إذ على الرغم من أن سن التلاميذ كان صغيرا، فإن ذاكرتهم لا تنسى كيف كان الأستاذ المهدي الريسوني يأتي بجهاز الراديو معه إلى داخل القسم ويأخذ جزءا من الوقت لكي يتابع أخبار نكسة يونيو 1967، وهو متحمس ومنفعل مع أحداث الوطن العربي الذي كان يعرف مدا قوميا وتحرريا كبيرا.

وفي أجواء القمع الشديد الذي كان يعرفه المغرب حينها مع المحاكمات السياسية التي كانت تستهدف مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، عرفت القصر الكبير حدثا ثقافيا كبيرا تمثل في تأسيس “جمعية شعلة الفكر” التي كان أول نشاط لها ندوة كبرى تحت عنوان: “إحياء ذكرى أبي القاسم الشابي شاعر وحدة المغرب العربي”، وحضرها جمهور كبير يتقدمهم تلامذة الثانوية المحمدية ومعهد التعليم الأصيل، ثم جاء اندلاع انتفاضة 23 مارس 1965 ليخرج تلاميذ الثانوية المحمدية ومعهد وادي المخازن للتعليم الأصيل تضامنا مع النقابة الوطنية للتلاميذ في الدار البيضاء التي تعرض فيها التلاميذ لعمليات قتل فظيعة واعتقالات ممنهجة؛ وهو ما أدى إلى هجوم قوات الأمن على المؤسستين وإحراق جزء كبير منهما وتكسير ما فيهما من تجهيزات. في ظل هذه الأجواء، انتقل الشهيد لسان الدين للثانوية المحمدية الشهيرة لإتمام تعليمه الإعدادي.

وبمناسبة تلك الأحداث، يحكي الأستاذ عبد القادر الحضري (نائب رئيس مؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة حاليا، وكان حينها مسؤولا عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المدينة) قصة عن نزاهة القاضي عبد السلام بوخبزة، حيث اعتقلت قوات الأمن حينها المناضل محمد الهواري الأستاذ حينها في الثانوية المحمدية (يشتغل حاليا محاميا في هيئة طنجة)، وتم تقديمه مع ملف ثقيل للمحاكمة ليأمر الأستاذ عبد السلام بوخبزة بالإفراج عنه في أول جلسة مؤكدا على براءته.


(التلميذ لسان الدين)

وبعد انتقال الأب من القصر الكبير إلى طنجة، أكمل الشهيد لسان الدين دراسته في إعدادية ابن بطوطة، وبعدها حصل على الباكالوريا في ثانوية جابر بن حيان في تطوان، الثانوية التي كان أول من درس فيها الفلسفة بعد تعريبها والتخلي عن أساتذتها الإسبان، هو الأستاذ أحمد المرابط بعد عودته من القاهرة عقب رحيل الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، وقد كان واحدا من الشباب المقربين من دائرته.

وبعد حصوله على شهادة الباكالوريا بتفوق، لم يتردد الشهيد لسان الدين في الالتحاق بكلية الطب بالرباط، تحقيقا لحلم إنساني كان يراوده، حيث سيبدأ مسارا جديدا هناك.

تستحضر الحاجة “فامة الطْنِيبَر”، أم لسان الدين، ذكرياتها مع ابنها الشهيد قائلة: “كان رحمه الله ذا طبع جميل، يمتلك حسا إنسانيا عاليا، وعطفا على كل الناس؛ وفي مقدمتهم الفقراء والمحرومون. ما زلت أتذكر كيف كان يصحب معه ألبسة متنوعة وقطعا من الشوكولاته، ليسلمها للمرضى من نزلاء المستشفيات، أو لبعض مرافقيهم من الأطفال”.

هل كان يحدثكم عن نشاطاته للا فامة؟ أخاطب الحاجة متسائلا، فتجيبني أنه لم يكن يخبرنا بأي شيء. وهو الأمر نفسه الذي يؤكده لي مصدر مقرب من الأسرة قائلا: “حين التحق لسان الدين بكلية الطب بالرباط أصبح احتكاكه بالأسرة قليلا، بحكم انتقاله للسكن مع زملائه الطلبة ومغادرته بيت الأسرة. وكانت الأسرة تعرف بعض توجهاته واهتماماته لحظة مناقشته مع والده حول بعض الأفكار والقضايا التي كانت مطروحة حينها على الساحة الفكرية والسياسية.. لأن لسان الدين كان معروفا بكثرة المطالعة”.

لكن والدته ما زالت تستذكر بعض قفشاتها معه، حين كانت تسأله عن شَعره الكثيف وعدم القيام بحلقه وترتيبه، وقد كان موضة عند الكثيرين من أبناء جيله، فكان يجيبها بأن لا وقت لديه للذهاب إلى الحلاق، لذا كانت تقوم بترتيبه له أحيانا في البيت.

“كان ابني خفيف الظل، هادئ الطبع، صاحب قلب مرهف بالحنان مقارنة بإخوته الآخرين. مثلما كان كثير التفكير والتأمل.. لا تهمه المظاهر، بقدر ما كانت تشغله آلام الناس وحاجاتهم. لم يكن يعيش من أجل نفسه، لقد كان باختصار يفكر في الآخرين كثيرا”، تستطرد الحاجة فامة (تصغير لفاطمة) وهي تتذكر ابنها الشهيد، وعَبرات من الدمع تخنق صوتها الهادئ.

المرحلة الطلابية وتبلور الوعي:

كانت مرحلة الحياة الجامعية مرحلة تطور نوعي في الرؤية الفكرية والسياسية للشاب لسان الدين القادم إلى العاصمة الرباط من مدينة عريقة في الشمال هي تطوان. كانت الأجواء العامة في البلاد تعرف أزمة حادة؛ انقلابان عسكريان خلخلا بنية الحُكم، وانتفاضة مسلحة واجهها النظام بقسوة شديدة، تلتها إعدامات بالجملة لخيرة مناضلي التنظيم السري التابع للاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان يقوده المجاهد محمد الفقيه البصري؛ الشهداء عمر دهكون ومحمود بنونة ورفاقهما الذين أعدموا ذات عيد أضحى في مشهد دموي مروع. أما المشهد الطلابي فلم يكن بعيدا عن تلك الأجواء؛ اعتقال رئيس المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب مع مجموعة من المؤتمرين والمناضلين خاصة من “الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين”.

“لم يكن عند الشهيد أي انتماء تنظيمي أو حزبي، لم تكن له أي علاقة تنظيمية لا مع تنظيم “إلى الأمام” ولا تنظيم “23 مارس”، نشاطه كان فقط داخل إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”. يؤكد رفيق دربه الدكتور نور الدين دحان.

بعد اعتقال قيادة الاتحاد الطلابي كلها (باستثناء عبد العزيز المنبهي الذي استطاع الخروج من المغرب)، كانت قد بدأت تجربة التنظيم القاعدي في التبلور، بعد نجاح تجربة إسقاط معركة “الإصلاح الجامعي” المرتبطة بقرار وزير التعليم العالي حينها بفرض “تعاضديات إدارية” لتمثيل الطلبة في الموسم 75/76 حيث لعبت تجربة المجالس القاعدية السرية التي أطرت جل معارك تلك المرحلة، إلى جانب بعض الجمعيات الطلابية داخل المعاهد والمدارس التي لم تتعرض للحظر.

وبعد نجاح تلك التجربة، بدأت في التطور استعدادا لعقد المؤتمر الوطني الـ16 على أساس برنامج نضالي مبني على مكتسبات المؤتمر السابق، مع إبداع هيكلة وصفت بالهيكلة “الديمقراطية القاعدية”، تكون قادرة على استيعاب استراتيجية القمع الذي شنته أجهزة الدولة على المنظمة في مؤتمرها السابق، خاصة بعد رفع الحظر عن المنظمة يوم 9 نونبر 1978 بسبب الأزمة التي كان يعرفها النظام ومحاولة إنجاح المسلسل الانتخابي.

كان الشهيد لسان الدين حينها من أبرز المناضلين الذين أسهموا في بناء تجربة الطلبة القاعديين؛ حيث حصلت حركة داخل أوطم هي “الحركة القاعدية” باعتبارها شكلا من أشكال التنظيم الجديد للحركة الطلابية لتجاوز قدرة النظام على اعتقال قيادات الحركة مثلما فعل مع قيادة المؤتمر الخامس عشر. “هكذا مثلا في تجربة كلية الطب بالرباط كان هناك 256 طالبا في هذا الموقع فقط، وكان لسان الدين من المناضلين في الخلف، ولم يسبق له أن أخذ الكلمة؛ لكنه كان رجل تنظيم وتنظير لعدد كبير من المبادرات”، يؤكد الدكتور دحان.

لقد كانت للشهيد بوخبزة مساهمة كبيرة في تلك المرحلة التي عرفت تصاعدا في النضال الطلابي ومطالبه السياسية الداعية إلى إصلاحات ديمقراطية حقيقية تنهي ملف الاعتقال السياسي بشكل كامل (يوم الطالب المعتقل يوم 24 يناير)، مثلما ارتبطت بالدعوة إلى المساندة الفعلية للثورة الفلسطينية عبر الإضراب الشهير ليوم 26 مارس احتجاجا على تطبيع العلاقات بين النظام المصري وكيان الإرهاب الصهيوني بعد اتفاقية الاستسلام في كامب ديفيد حينها.

ومثلما كان الشهيد متفوقا في نضاله وتواضعه، حيث كان يتحرك بعيدا عن أضواء الذاتية الحارقة، احتفظ بتفوقه الدراسي يراكم نجاحه السنة تلو الأخرى. تماما مثلما احتفظ بعمقه الإنساني في الاهتمام بالفئات الشعبية الفقيرة والمحتاجة، رفعا لوعيها ومساعدة لها على النهوض. حتى أن تدريب نهاية التكوين في الكلية لم يكن منفصلا عن هذه الهموم؛ لذا قرر أن يكون تدريبه العيادي في مدينة العرائش التي كان يتصور أنه يستطيع أن يقدم فيها ما لا يمكن تقديمه في مدن كبرى مثل البيضاء والرباط.

يحكي رفيقه الدكتور نور الدين كيف أن الشهيد لسان الدين “كان كثير الارتباط بالبحر والبحارة، لذا قرر أن يكون تدريبه بالعرائش ما دام أنه يستطيع أن يقدم شيئا. لذا رسم في ستة أشهر من مُقامه هناك ما لم يرسمه الأطباء فيها لسنوات؛ كان يعطي نموذجا في الاشتغال بعمله الدؤوب ليل نهار؛ مساهما في معالجة المرضى نهارا ومعتكفا ليلا لقراءة الكتب التي كان يتكلم عما تحمله من قيم، ليس بهدف تعبوي ولكن تجسيدا لعمله النبيل، لأنه كان شديد الحرص على عدم الخلط بين الأمور”. ليُسقط في تلك التجربة ما كان يحمله الناس من صور نمطية عن الطبيب، باعتباره كائنا متعاليا وبعيدا عن الناس، فكان يجلس في المقاهي والمطاعم الشعبية ويتواصل مع الناس بروح مرحة لم يعهدوها في قرنائه من قبل، مما أكسبه محبة الناس وثقتهم بلا حدود.


(نور الدين مع الشهيد لسان الدين)

الرحلة في اتجاه أوروبا:

بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في الطب العام، وبعد فترة انتظار ليست بالطويلة، شد الرحال في اتجاه أوروبا لاستكمال دراساته المتخصصة، ولفتح آفاق أخرى أمام تطلعاته الفكرية والإنسانية.

كانت البداية بسويسرا، ثم فرنسا التي قضى فيهما المدة الأطول أثناء وجوده في أوروبا، حيث اشتغل طبيبا في مجموعة من المستشفيات هناك؛ لكن حركته شملت أقطارا أوروبية كثيرة مثل إسبانيا، بلجيكا، هولندا واليونان… غير أن الحدث الأبرز في هذه الرحلة لقاؤه بمواطنة سويسرية كانت نشيطة في مجال الدفاع عن السلام، وانخراطه في منظمة إنسانية دولية هي منظمة أطباء العالم، ثم قضاؤه تجربة في صفوف الثورة الفلسطينية في سوريا ولبنان.

اللقاء مع ساندرا: لم يكن لقاء لسان الدين مع ساندرا لقاء مع إنسان عادي، بل كان بالنسبة إليه التقاء مع إنسان بمواصفات خاصة؛ كانت ساندرا أوستيت OSTET) (SANDRA وهي من أبّ إيطالي وأم سويسرية، شابة مفعمة بالحيوية والحركة، ومناضلة نشيطة في مجال الدفاع عن السلام ومناهضة الحروب. لتجمعهما علاقة رائعة، حيث إنها لعبت دورا رئيسيا في حياته، مثلما لعب دورا رئيسيا في حياتها. وهكذا، أسهمت ساندرا في إدخال لسان الدين إلى منتديات الأنشطة المرتبطة بالنضال الأممي في نصرة الشعوب التي تعاني ويلات الاستعمار والتدخل الامبريالي خاصة في أمريكا الوسطى والجنوبية؛ وهو ما سمح له بتجسيد رؤيته التي شكلها عبر مطالعاته الكثيرة طيلة مرحلته الطلابية.

وعلى الرغم من حبهما الشديد وعلاقتهما الإنسانية الراقية، فقد اختار مغادرة سويسرا للمساهمة في تحقيق حلمه… وسنة واحدة بعد سفره، أصيبت ساندرا بالسرطان، لترسل رسالة إلى صديقه نور الدين، الذي أوصلها إلى لسان الدين في السلفادور، لكن القدَر لم يمهل ساندرا إلا وقتا قليلا حتى غادرت هذا العالم. وإثر ذلك، أبلغ نور الدين رفيقه بوفاتها. وقد أثر خبر الرحيل المفجع في لسان الدين بشكل كبير، جعلت مُحَيّاه يبدو حزينا، حتى أن رفاقه في السالفادور لاحظوا ذلك. كان ذلك قبل سنة من استشهاد لسان الدين هناك.


(ساندرا مع نور الدين)

انخراطه في “منظمة أطباء العالم”: لم يكن الشهيد لسان الدين صاحب رؤية ثورية لتغيير العالم فحسب، بل كان حامل رسالة إنسانية يتطلع من خلالها إلى تخفيف الآلام عن المضطهدين والمحتاجين. لذا، كان بحثه عن إطار لتجسيد هذه الرؤية الإنسانية واحدا من هواجسه المواكبة لحركته؛ وهو الإطار الذي سيجده في منظمة طبية ذات رسالة إنسانية كانت قد تأسست للتو في فرنسا تحت مسمى “منظمة أطباء العالم” (Médecins du monde)، التي كانت منظمة ذات نفَس تقدمي يحمل رسالة تحررية، ولم تكن ذات نفَس إنسانوي ضيق مثل “أطباء بلا حدود” التي كانت ذات نفس يميني، يرفض انخراط كل من لهم انتماء سياسي وترغب في مشاريع تصب في اتجاه معين.. وهكذا، تم بناء إطار بديل لمهنيي الصحة المتطوعين لتقديم المساعدة الإنسانية للسكان المعرضين للخطر في جميع أنحاء العالم. وكانت المنظمة قد تأسست من على أيدي مجموعة من الأطباء الذين خرج معظمهم عن منظمة “أطباء بلا حدود” بقيادة بيرنار كوشنير (وزير الصحة والخارجية في أكثر من حكومة فرنسية فيما بعد، عقب تخليه عن الشعارات التقدمية التي حملها طيلة ثلاثة عقود). وكان سبب الانشقاق هو تخلي منظمة أطباء بلا حدود عن أحد أهم مبادئها المرتبط بالشهادة حول الفظائع التي يشاهدها أعضاؤها وجعلها معروفة أمام الرأي العام، إذ لا حياد في فضح الجرائم ومرتكبيها في الحروب والأزمات.

لذا، وجد الشهيد لسان الدين ضالته في هذه التجربة التي يتحدث عنها في إحدى رسائله إلى أسرته قائلا: “وجدت فرصة ثمينة لأفعل ما كنت أتمناه، وهو أن أعمل في أقطار مختلفة من العالم. سأفعل ذلك مع منظمة طبية فرنسية ذات أهداف إنسانية (كالصليب الأحمر الدولي).. من الناحية الفكرية، يمكنني أن أستفيد كثيرا، لأن السفر ومعرفة شعوب وحضارات مختلفة دائما كانت أمنيتي، ولا يمكن إلا أن تزيد الفرد إغناء… ومن الناحية الإنسانية، يمكنني أن أستفيد لأنني سأربط علاقات مع أطباء ذوي تجربة طويلة في هذا الميدان، ويمكنني أن أفيد لأن الرحلات تكون في غالب الأحيان إلى الأماكن الأكثر احتياجا للمعونة الطبية”.

تجربته في صفوف الثورة الفلسطينية: شكلت القضية الفلسطينية مركز وعي الشهيد منذ بواكيره الأولى، حيث كان يعتبر أن أبرز معركة ضد الإمبريالية كانت تخاض على أرض الوطن العربي هناك في المشرق، خاصة بعد هزيمة المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وسقوط المشروع الاستعماري الأمريكي في الهند الصينية عقب هزيمتها المنكرة في فيتنام؛ وهو ما جعل الإمبريالية الأمريكية تركز وجودها العدواني في منطقتين أساسيتين حينها؛ في المشرق العربي عبر دعم الكيان الصهيوني أداتها الوظيفية هناك، وفي أمريكا الوسطى والجنوبية التي تعتبرها قاعدتها الخلفية التي ينبغي تحصينها، خاصة بعد نجاح الثورة الكوبية على مرمى حجر من شواطئ مدينة ميامي الأمريكية. وهو الوعي الذي جعل شابا مثل لسان الدين المولود شهرا ونصف قبل العدوان الثلاثي على مصر أواخر أكتوبر 1956، الذي كان عدوانا من أجل تحطيم مصر وتثبيت تفوق المشروع الصهيوني أمام أي مشروع للتحرر العربي حينها. لذا، كانت المساهمة في نشر هذا الوعي، سواء أثناء مساهمته في إطار التجربة القاعدية لإعادة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، أو أثناء لقاءاته مع أفواج المناضلين الأمميين في اللقاءات التي حضرها في أقطار أوروبية مختلفة، كانت فلسطين حاضرة كقضية. وبحكم وجوده في الديار الأوروبية، كانت الفرصة مواتية له للمشاركة في تجربة ميدانية هناك، إذ بعد حصول الغزو الصهيوني للبنان الذي أسقط عاصمة عربية ثانية هي بيروت، كان الشهيد ياسر عرفات قد وجه نداء إلى كل الشباب العربي وإلى كل المناضلين الأمميين للالتحاق بالجبهة دفاعا عن الثورة الفلسطينية، وهو النداء الذي خلّف حركة تضامن واسعة عبر العالم، جعل حركة التضامن مع فلسطين أكثر امتدادا.

في أجواء هذا السياق التحق الشهيد لسان الدين بقواعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سوريا ولبنان لتلقي دورات تدريب مكثفة أفادته كثيرا في مهماته الإنسانية والنضالية اللاحقة. لقد كانت الجبهة الشعبية حينها مركز ثقل تعاطف عربي وأممي واسع بحكم المشروع التحرري الذي طرحته، وبحكم فدائية عناصرها ونجاح ضرباتها الموجعة في مواجهة العدو، وبفضل رؤيتها العميقة للصراع العربي-الصهيوني باعتباره صراعا ضد كيان وظيفي هو الكيان الصهيوني، يتناوب في تقديم خدماته لمراكز القرار الإمبريالي المختلفة، لذا ينبغي مواجهته في إطار قومي وأممي يجعل تلك المعركة جزءا من النضال الأممي الواسع ضد الإمبريالية أينما حلت وارتحلت، وتوجيه الضربات إليها في كل مواضع النضال لإضعافها وتخفيف الضغط على المواقع الأخرى.

كانت دورات الشهيد لسان الدين التدريبية في قاعدة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كانت في منطقة حوران جنوب سوريا، وبعدها في قواعد عسكرية مختلفة في لبنان في البقاع وصيدا وبيروت.

يؤكد لي الرفيق أبو علي، أحد مسؤولي الجبهة الشعبية حينها في لبنان، أن عدد الملتحقين من المناضلين العرب والأمميين كان بالمئات، وكنا نضطر لأسباب أمنية أن نحرق هوياتهم حتى لا تقع في أيدي العدو الصهيوني الذي سيوصلها حتما إلى أجهزة مخابرات الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المتطوعون أو تعريضهم للاغتيال حتى من لدن الموساد الإسرائيلي بعد عودتهم من مهامهم.

تجربة سبقه إليها، مع فارق، الشهيد الحسين بن يحيى الطنجاوي ابن مدينته تطوان الذي لم يكن بيت أسرته يبعد عن بيته إلا بمئات الأمتار، حتى ارتقى شهيدا في إحدى العمليات الفدائية ضد جيش الاحتلال الصهيوني يوم 28/ 11 /1974، مما خلّف أثرا كبيرا في مدينة تطوان وعموم المغرب.

هناك في قلب الجبهة استوعب لسان الدين أكثر معنى المساهمة في إطار أممي واسع، لتوفير حماية للمقاومة عبر فتح جبهة واسعة في مواجهة الإمبريالية على الصعيد الأممي. ليعود إلى أوروبا مفعما بروح ثورية متجددة عاشها لأسابيع في قلب مدرسة ثورية عربية ذات أفق أممي واضح.

الرحلة إلى أمريكا الوسطى:

عاد الشهيد لسان الدين من لبنان إلى أوروبا طبيبا ممارسا لمهنته ومناضلا في أوساط الشباب الأممي ونشاطات التضامن مع الشعوب المضطهدة. وكانت حينها مدينة أمستردام واحدة من أهم المدن التي تقام فيها تلك الأنشطة. يحدثني الدكتور نور الدين دحان، رفيق دربه في كلية الطب بالرباط، الذي غادر إلى هولندا لاستكمال دراساته التخصصية هناك، كيف أن بلدية أمستردام إبان تولي اليساري إدوارد فان تاين Ed van Thijn)) منصب عُمدتها بين سنوات 1982-1994، شكلت معقلا أساسيا للتضامن مع ثورات شعوب أمريكا الوسطى، وخاصة نيكاراغوا والسلفادور، حين كان الساندينيون يخوضون معركة مواجهة النفوذ الأمريكي هناك. حتى أنه في إحدى المرات تمّ استقبال دانييل أورتيغا (رئيس نيكاراغوا الحالي) وتنظيم استقبال حافل له هناك قبل وصوله إلى السلطة سنة 1985. كما لعبت إحدى كنائس أمستردام ذات التوجه التقدمية (الثوري) أدوارا مهمة، حيث إنها كانت تقدم الدعم لنظيرتها الثورية في أمريكا الوسطى وخاصة في نيكاراغوا والسلفادور..

في هذه الأجواء، قرر لسان الدين التوجه إلى أمريكا الوسطى بعد عودته من تجربته الثورية من المشرق العربي في إطار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

اتخذ لسان الدين قراره النهائي بالالتحاق بأمريكا الوسطى بعد أن نضج عنده تصور مفاده أن القوى الثورية هناك تخوض واحدة من أهم تجارب النضال الأممي في العالم، لذا آن أوان الانتقال إليها.

ودع حبيبته ساندرا في سويسرا وأخبر عائلته في رسالة بأنه مُقدِم على خوض تجربة إنسانية أخرى دون تفاصيل، في صيغة كانت تقتضيها ظروف العمل الثوري حينها.



رسالة بخط يد الشهيد لسان الدين إلى أسرته

وانطلاقا من تحليل الشهيد لسان الدين للأوضاع في جبهات الصراع مع الإمبريالية، كان يعتبر أن المعركة الفاصلة معها كانت هناك في السلفادور (أمريكا والقوى اليمينية..)، حيث كان يعتقد أن هناك جبهتين فاصلتين في مواجهة الإمبريالية بعد انتصار الشعب الفيتنامي؛ هما لبنان حيث تخوض المقاومة العربية (اللبنانية والفلسطينية بدعم أممي) معركة قوية مع المشروع التوسعي الصهيوني، والسلفادور حيث تجهد الإمبريالية الأمريكية في السيطرة على منطقة أمريكا الوسطى بالحديد والنار مانعة قيام أي نظام تحرري جديد هناك يُسند الصمود الكوبي في الخاصرة الأمريكية. في تلك اللحظة، كان اليانكي الأمريكي ما زال يتعامل مع أقطار أمريكا الوسطى بمنطق تعامل “شركة الفواكه المتحدة”، الشركة الأمريكية التي كانت تتاجر في الفواكه الاستوائية والموز في دول أمريكا الوسطى والجنوبية، مطلع القرن العشرين، وكانت تحكم معظم أمريكا الوسطى عبر التحالف مع حكام عسكريين مستبدين تتحكم فيهم كما تشاء، حتى أطلق عليها لقب جمهوريات الموز. وهي التجارب التي يمكن تلمّس مظاهرها بدقة كبيرة، في رواية الكاتب الغواتيمالي ميغل أنخيل أستورياس “السيد الرئيس” التي فاز بها على جائزة نوبل للآداب سنة 1967.

تجربة السلفادور:

هكذا، انتقل لسان الدين إلى السلفادور عن طريق نيكاراغوا، القاعدة الخلفية لثوار السلفادور حينها. كان ذلك سنة 1984 ملتحقا بالحزب الثوري لعمال أمريكا الوسطى: (el Partido Revolucionario de los Trabajadores Centroamericanos) (PRTC). الذي أسسه “فابيو كاستيلو فيغوروا”، أحد المكونات الأربعة لجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني، الإطار الجبهوي الذي قاد الثورة هناك. وقد كان في مبادئه التحررية يطرح توحيد أمريكا الوسطى مع مضمون يساري يجمع بين تحرير أقطار أمريكا الوسطى من الأنظمة الفاشية التابعة للمخابرات الأمريكية وتحرير الكادحين فيها (عمالا وفلاحين) من القهر الطبقي الذي تمارسه عليهم الأقليات اليمينية الوظيفية المتنفذة في تلك الأقطار. وهو في طرحه لرؤية المعركة الواحدة في أمريكا الوسطى، كان قريبا من الطرح التحرري الذي اقترحه الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي في مكتب تحرير المغرب العربي في القاهرة لتحرير المنطقة وتوحيدها، مع فارق في تبني مضمون ماركسي حول العلاقة بالداخل بالنسبة إلى أطروحة فابيو كاستيلو.

ترقى الشاب القادم من المغرب بسرعة في صفوف جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني، حتى أصبح قياديا فيها، بسبب أخلاقه الثورية العالية. وقد كان المقاتلون هناك يعتبرونه، بسبب ذلك، قائدا أقرب إلى القديس؛ فبالإضافة إلى تفانيه في مهماته الثورية، حيث تكلف بالمدرسة التكوينية داخل جبهة فارابوندو مارتي، كان يمارس مهمته بحب وشغف كبيرين مع تواضع أكبر. وهي الميزة التي كانت لديه في المغرب، حيث كان من موقعه الخلفي البعيد عن التهافت للظهور يلهم المناضلين بأخلاقيات كبيرة.

في البداية، قدم خدماته الطبية ومحو الأمية للسكان المدنيين والمقاتلين. يقول خوسيه رفيقه في المركز، متحدثا عن “فرناندو” وهو الاسم الحركي الذي اتخذه لسان الدين هناك: “كان الرفيق فرناندو طبيبًا ومعلمًا لمحو الأمية، وصديقًا رائعًا وصديقا للجميع… لقد كان مثل الأب الحامي لنا جميعا. لسوء الحظ، وقع في كمين للعدو على تلة غوازابا خلال عملية العدو المسماة بالعنقاء، ولكن ذكرياته لا تزال حية في كل من أتيحت لهم الفرصة لمقابلته أو محاربته حتى”.

كان فرناندو جزءًا من مستشفى تم تشكيله، كما قدم دروسا في محو الأمية والسياسة في المدرسة الأولى التي تم إنشاؤها في سان ميغيل مع مجموعة مجندة.

في وقت لاحق، أشرف على تأسيس مستشفى آخر في سان فيسنتي وآخر في غوازابا.

“لقد كان رجلاً عظيماً، وكان من دواعي الفخر لي أن أكون في مدرستين سياسيتين عسكريتين مع “فرناندو”: الأولى في 1984 بسان فيسينتي والثانية في غوازابا سنة 1985. ثم اختاروا مجموعة لتكون جزءًا من القوات الخاصة حيث ساهم تكويني على يديه في اختياري”، يقول رفيق آخر عاش معه عن قرب.


(لسان الدين مع مارغريتا ومناضلين آخرين)

لقد كانت الحرب في السلفادور واحدة من أقذر الحروب التي شنتها أمريكا عبر “قبعاتها الخضر” وحلفائها المحليين في الجيش السلفادوري وفرق الموت المرتبطة به، وارتكبت مجازر شنيعة في حق المدنيين في إطار نظرية أطلقتها تحت مسمى “استنزاف البحر”، وتقصد بها تجفيف البحيرة من الماء حتى لا تستطيع الأسماك من العيش. ردا على نظرية طرحها الزعيم الصيني في أطروحاته أوصى فيها أن يكون المناضل الثوري مثل السمكة التي تتحرك في الماء، أي بين أبناء شعبه. ولذلك كانت هناك موجات عاتية من القصف الذي كان يستهدف مدنا وبلدات بأكملها حتى يتم تفريغها من المدنيين (مثل عملية الموزوت وعملية الفينيكس)…

إذ بعد انتصارات كبرى للقوى الثورية قامت قوات الجيش وفرق الموت الموجهة من المخابرات الأمريكية بشن حملة عسكرية دموية على مدينة غوازابا (التابعة لمحافظة العاصمة سان سالفادور) ومحيطها، بعد محاصرتها لأسابيع حيث لا ماء ولا غذاء ولا دواء لعشرات الآلاف من المدنيين الذين اضطروا لأكل حشائش الغابات. حينها كان الشهيد لسان الدين قائدا مسؤولا عن تلك المنطقة، “وكعادته لم يكن يلزم من هم تحت إمرته بالخروج والذهاب للاستطلاع، حتى يتسنى للمجموعة التي توجد معه من المقاتلين والمدنيين الحصول على ما يسد رمقهم، فخرج بنفسه للاستطلاع مع دورية صغيرة، حيث تم عزله وتصفيته”، تخبرني بأسى بالغ رفيقته مارغريتا المناضلة الأممية الباسكية التي كانت موجودة هناك. لقد كانت تتحدث وملامح الصدمة مطبوعة على محياها، على الرغم من أن الحادثة قد حصلت منذ أكثر من 30 سنة.

وتضيف مارغريتا: “استشهاد الدكتور لسان خلّف حزنا وحسرة كبيرين في أوساط مناضلي جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني والمواطنين هناك، وكان خسارة كبيرة للثورة… لقد كان حريا به أن لا يخرج بنفسه للاستطلاع، هذا كان رأي الكثير من الرفاق حينها. لكن أخلاقه الثورية جعلته يخرج بنفسه مترفعا عن أن يصدر أوامره لأحد حتى يقوم بمهمة الاستطلاع”.



السبت، 22 سبتمبر 2018

مجازر صبرا وشاتيلا في المشهد بيان نويهض الحوت

الاجتياح الإسرائيلي للبنان وبيروت في العام ١٩٨٢ ومجازر مخيمات صبرا وشاتيلا في العام عينه في شهادات من عايشها وشاهد فظائعها، روايات وثّقتها المؤرخة بيان الحوت بالتفاصيل والأرقام.

اجتماع أمني حصل في منزلها خلال الاجتياح، مغادرة القيادات الفلسطينية والمسلحين الفلسطينيين بيروت بعد اتفاق المبعوث الأميركي فيليب حبيب، اقتحام الإسرائيليين لمنزلها للبحث عن زوجها القيادي في منظمة التحرير شفيق الحوت.

اتفاق أوسلو ١٩٩٣ والخلافات التي نشبت على أثره بين القيادات الفلسطينية في منظمة التحرير، ومذكرات من مدينة القدس قبل النكبة الفلسطينية.

بيان نويهض الحوت مؤرخة وكاتبة فلسطينية من أصل لبناني، زوجة شفيق الحوت أحد مؤسسي منظمة التحرير وممثلها سابقاً في لبنان.




الأحد، 22 أبريل 2018

لأول مرة بالعربية ،، مقابلة إعلامية نادرة مع الأديب الشهيد غسان كنفاني

شبكة بيسان الإخبارية - خاص الهدف في ما يلي مقابلة تنشر لأول مرة باللغة العربية مع الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني حول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأزمة أيلول، ترجمها للعربية فؤاد ديب.
اشتهرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خارج العالم العربي بعمليات خطف الطائرات في أيلول 1970 وقد وجُهت لها نتيجة هذه العمليات انتقادات كثيرة وقد جاءت بعض هذه الانتقادات من الطبقة البرجوازية. لكني هنا أودّ أن أثير نوعين آخرين من الانتقادات، أولهما من قبل أشخاص داخل المقاومة الفلسطينية نفسها، مثل المتحدث باسم اللجنة المركزية كامل رضوان، يقولون أن عمليات الخطف هذه قدّمت للملك حسين ذريعةً لمهاجمة المقاومة؛ في وقت لم يكن ليستطيع ذلك ولكنه فعلها، أما الانتقاد الثاني فهو من قبل أشخاص خارج المقاومة الفلسطينية. كانت حجتهم أن عمليات الاختطاف هذه أعطت إحساساً وهمياً بالقوة والثقة لدى الجماهير الفلسطينية قبل وقت طويل من امتلاكها لهذه القوة التنظيمية والعسكرية الحقيقية بالإضافة لكونها – أي عمليات الاختطاف – شكّلت بديلاً عن تنظيم الجماهير، وكانت هذه العمليات تصنع وتشجع الخيال أكثر على الرغم من ذلك لم تكن هذه الانتقادات لتشكل إنكاراً أن لهذه العمليات أثراً إيجابياً من خلال كسبها جمهورا عالمياً على شاشات التلفزيون، هذه العمليات التي شرحت لهذا الجمهور الغرض من المقاومة الفلسطينية، وهذه النقطة ليست موضع شك ولكن !

هل تدافع الآن عن عمليات الاختطاف؟

كنفاني: أولاً وقبل كل شيء، أقدر حقيقة أنك ترفض هذه الأخلاقيات البرجوازية والانصياع للقانون الدولي، هذا القانون الذي كان سبباً في مأساتنا وقبل أن أجيب عن أسئلتك لابد من الحديث بشكل عام عن هذا النوع من العمليات.

لقد قلنا دائماً أننا لا نخطف الطائرات لأننا نحب ماركة بوينغ 707 بل نفعل ذلك لأسباب محددة في وقت محدد ضد عدو محدد معين لأنه سيكون من السخرية بمكان اختطاف الطائرات في الوقت الحاضر وإنزالها في القاهرة على سبيل المثال، أو في الأردن هذا لن يكون له أي معنى الآن.

ولكن عليك أن تحلل الوضع السياسي في حينها أي في الوقت الذي قمنا فيه بهذه العمليات وطبيعة الأهداف التي أردنا تحقيقها. ولنتذكر أنه وفي 23 يوليو / تموز قَبِلَ عبد الناصر بخطة روجرز، وبعد ذلك بأسبوع قبلت الحكومة الأردنية بذلك أيضاً. بهذا يكون قد وضعوا الفلسطينيين على الرّف مرّة أخرى لأنكم إذا كنتم تقرؤون الصحف العربية والعالمية بين 23 يوليو و 6 سبتمبر، سترون أن الشعب الفلسطيني ومرّة أخرى يُعامل بالضبط كما بين عامي 1948 و 1967.

وبدأت الصحف العربية الكتابة حول الحالة “البطولية” للفلسطينيين، لكن أيضاً كيف أن هذه الحالة كانت “مشلولة” وكيف أنه لم يكن هناك أمل لهؤلاء “الأبطال الشجعان”. كانت معنويات شعبنا في الأردن والضفة الغربية وغزة منخفضة للغاية. وعلاوة على ذلك، توجه وفد من قيادة حركة المقاومة الفلسطينية، اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى القاهرة للتفاوض مع عبد الناصر وحكومته، وقد قضوا هناك أياماً وأياماً لمناقشة ما إذا كانت هذه الحكومة ستسمح لنا بإعادة تشغيل البث من مصر مرة أخرى بعد إغلاق إذاعتنا في منتصف آب / أغسطس. ثم اشتكى الوفد إلى جامعة الدول العربية وحاول حملهم على مناقشة هذه المسألة وقبل 23 تموز / يوليو، صورت المقاومة الفلسطينية في الصحافة العربية باعتبارها الأمل الكبير للشعب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه يعتبر جميع العرب أن الجامعة العربية تُمثّل أدنى شكل من أشكال الطموح السياسي، وهي الهيئة السياسية الأكثر شللاً في العالم العربي. الآن هذا الوقت يدل أن لدينا أعلى شكل من أشكال السياسة التي تقترب من “الهدف القذر” لجامعة الدول العربية. ويدّلك هذا على أن الثورة الفلسطينية مُهددة بالتصفية سواء حطم الملك حسين ذلك جسديا أم لا. وكان الجميع – بمن فيهم أولئك الذين انتقدوا عمليات الجبهة الشعبية – مقتنعين بأن تدمير المقاومة جزء أساسي من خطة روجرز.

– أتوافقون على أن ناصر والنظام المصري أيدوا ذلك؟

كنفاني: كان النظام المصري على بعد خطوة واحدة من المشاركة المباشرة في هذا التصفية لأنه لم يكن له اتصال مباشر بالفلسطينيين فقد كان في وضع أكثر أماناً، والطريقة الوحيدة التي يمكن أن يساعد بها النظام المصري الملك حسين كان الصمت عمّا يجري وقد فعل، وبقدر ما يمكن لها قاومت هذه الحكومة ضغط الجماهير العربية.

في الأيام الثلاثة الأولى من القتال في أيلول لقد كانت الحكومة المصرية وجميع الحكومات العربية الأخرى صامتة، لأنهم اعتقدوا أن المقاومة لا يمكن أن تستمر في الصمود لأكثر من ثلاثة أيام لكنهم بعد ذلك أجبروا على التحرك لأن الجماهير في شوارع مصر وسوريا ولبنان كانوا غاضبين من المجزرة، ومع ذلك نجد أن خمسة آلاف من الضحايا الفلسطينيين سقطوا في عمان بصمت ولم يشتكِ أحد.

خطة “روجرز” تفترض مسبقاً تصفية مقاومتنا، وهذا جرى في جو من الاستسلام الفلسطيني لذلك أولاً وقبل كل شيء وكان لابد من القيام بشيء ما من أجل أن نقول للعالم أننا لن نوضع على الرّف مرة أخرى، وثانياً كي نقول للعالم أن الأيام التي يمكن أن يملي بها العرب على شعبنا الأوامر سوف لن تعود. وعلاوة على ذلك، كانت هناك مسألة الروح المعنوية والقدرة القتالية لشعبنا، ونحن لم نكن لنستطيع أن نترك الأمور على هذا النحو فقد كانت في هذا الوقت المجزرة على الطريق، وحتى لو جلسنا بهدوء على طريق قصر جلالة الملك، وقبلنا يده.

–إذن أنت لا تقبل فكرة أن الملك الحسين لم يكن متأكداً مما يجب القيام به ولكن الجيش أجبره على التحرك؟!
كنفاني: على الإطلاق لا. هذا هراء تماماً. صحيح أن جزءاً من حركة المقاومة ما زال يعتقد بإمكانية “تحييد” النظام الأردني ولكن هذا هراء أيضاً. أما الحجة القائلة بأن عمليات الاختطاف استفزت وسرّعت هجوم الملك حسين، فإن الجواب السريع على ذلك هو أن النظام الأردني قد أوقف بالفعل نشاط المقاومة جنوبي البحر الميت، وأوقف القوات باتجاه إيلات، ومنع وحداتنا التي تهاجم سد نهارين في شمال الضفة الغربية. وفي الوقت نفسه، وضع الجيش الأردني الألغام في معظم النقاط التي يعبر فيها المقاتلون نهر الأردن، وأجبر الفدائيين على المرور عبر ممرات محددة معينة؛ وكانت هذه الممرات كمائن، كانوا يرسلوننا كي نموت بجميع الأحوال، كل هذا كان يحدث قبل مجزرة سبتمبر. لقد كانت المجزرة قائمة لكن بشكل آخر، كان اشتباكاً حقيقياً يحدث في كل وقت وكانوا يمنعوننا من ممارسة سبب وجودنا ويمنعوننا من شن غارات ضد ” إسرائيل ” ويقمعون أنشطتنا السياسية في المدن، لذلك فإن أعمالنا، بما في ذلك خطف الطائرات، لم تكن استفزازات بقدر ما كانت حركة ثورة تحاول الهروب من دائرة حوصرت داخلها.


– ماذا فعلتم ازاء ذلك ؟

كنفاني: كانت جميع أنشطتنا آنذاك هي محاولة للخروج من وضعنا. فعلى سبيل المثال نظّمنا مظاهرات في عمان وكانوا يهتفون “يسقط ناصر وتسقط مصر”. ربما كان هذا خطأ، لكنها كانت واحدة من الطرق العديدة التي حاولنا فيها الخروج من الدائرة، كان واضحاً أن الملك حسين سيهاجم المقاومة بمجرد أن يقبل خطة “روجرز”، وبعد كل ذلك أنت تمتلك خيارين: إما أن تنتظر حتى يهاجمك أو أن تبادر بالهجوم عليه أولاً.

– لكن يبدو أنه في كلا الحالتين لم تكن لديكم النية الإطاحة بالملك حسين، ولم تتخيلوا أبداً أنكم تستطيعون ذلك. ألم يكن هدفكم أساساً الحفاظ على الوضع التنظيمي للمقاومة، أو لم تكن هذه هي الفكرة من وراء عمليات الاختطاف؟

كنفاني: يجب عليك عدم عزل عمليات الاختطاف من السياق السياسي الكلي فعلى سبيل المثال، أرسلت “فتح ” قاذفات صواريخ إلى غور صافي تحت البحر الميت، وفجرت مصانع البوتاسيوم. كنا جميعاً نحاول كسر الطوق لإعطاء الجماهير الفلسطينية المزيد من الأمل، وكي نقول إن المعركة مستمرة. أردنا الضغط على الحكومة الأردنية لتأجيل هجومها علينا. فعلاقتنا مع الحكومة الأردنية لم تكن تقوم على قناعات مشتركة، بل على الضغط فقط، لم يكن لدينا أرضية مشتركة معهم، إنها مسألة توازن قوى ، لقد كانت جميع أعمالنا هي شكل من أشكال الضغط بدءاً من الخطأ الكبير في الذهاب إلى جامعة الدول العربية إلى عمليات الاختطاف نفسها (التي كانت أعلى شكل من أشكال الضغط)، البعض كانت حساباته خاطئة بشكل سلبي، البعض الآخر كان إيجابياً، لكن من ناحية أخرى كان هناك بالتأكيد أفراد ومنظمات داخل المقاومة يعتقدون بإمكانية الإطاحة بالملك لكنهم كانوا على خطأ فهل تستطيع الاعتقاد بإمكانية الإطاحة بالملك من خلال انتظارك له كي يهاجمك، نعم لقد كان الاعتقاد أن الشعب سيتوحد من خلال الاعتماد الأولي على موقفٍ دفاعي.

لقد كانت هذه هي المعضلة بالنسبة لنا، نعم لقد كنّا في أزمة، كذلك كانت المقاومة وجميع الحكومات العسكرية العربية في أزمة لقد كانت هذ الأزمة ثمناً لخطة “روجرز”. فلو قررنا محاربة الملك حسين كان يجب علينا أن نختار الوقت والمكان المناسبين لكنه هاجمنا لهذا لم يكن لدينا خيار، لقد كان علينا أن نقاتل في وقت ومكان من اختياره، بهذه الصورة كانت عمليات الاختطاف جزءاً من فسيفساء شديد الخطورة شكل الخريطة العربية والفلسطينية منذ تموز / يوليو 1970 وحتى الآن لقد كان هناك الكثير من العوامل الأخرى أيضاً، فلقد حُشرنا في الزاوية، وكان لدينا طريقتان ممكنتان للخروج، إما أن نتمكن من الدفاع عن أنفسنا حتى النصر- ضد الملك حسين – أو أننا يمكن أن “نفقد المعركة إذا فزنا بها ” إذا نحن هاجمنا الملك حسين. لكن النتيجة لم تقرر من قبلنا فقط، بل قررت من قبل الطرف الآخر حيث كان لديهم خطط أكثر منا وهنا يجب عليك أن تتذكر أن الملك حسين كان يحتاج أن يثبت للأمريكيين أنهم لا يحتاجون إلى إقامة دولة فلسطينية. لقد كان الأميركيون يتساءلون عما إذا كانوا سيحضرون ضابطاً من طراز “سوهارتو” ليحل محل الملك حسين في حال حصول انقلاب في عمان حيث يُسهل قيام دولة فلسطينية هناك، كان الإسرائيليون يناقشون ذلك أيضاً أما الملك فقد أراد أن يسترجع هيبته – وهذا ما فعله – لهذا غيّر ( الرئيس الأمريكي ) نيكسون رأيه وبدأ الأمريكيون يعتقدون مرة أخرى أن الملك حسين قادر على التعامل مع الوضع.

أما بالنسبة لعمليات الاختطاف فإن أهميتها النفسية في تلك المرحلة من مراحل الثورة كانت أكبر بكثير من أهميتها العسكرية، أما الآن فلو أننا في المرحلة النهائية من الثورة، أو حتى في المراحل الأولى المتقدمة من الثورة وقمنا باختطاف الطائرات، لكنت أول من سيندد بها، لكن في مرحلة الإعداد للثورة كان للعمليات العسكرية أهمية نفسية.

– ألا زلت تعتقد أن تنفيذ عمليات الاختطاف كانت صحيحة ؟

كنفاني: بشكل عام، أعتقد أن هذه العمليات كانت صحيحة، ربما ارتكبنا بعض الأخطاء التكتيكية هنا أو هناك وربما كان ينبغي علينا أن نجعل المقاومة الفلسطينية بأكملها تتقاسم بشكل أكبر المسؤولية عن هذه العمليات ومن ثم قرروا بعد ساعتين أن يطلقوا سراح الطائرات، ربما كان ينبغي علينا إطلاق سراحها .

لا ينبغي علينا أن نكون عنيدين جداً. إذ لا يمكنك أن تتخيل ماذا كان يعني كل هذا للشعب في ذلك الوقت. أنت أثرت مسألة فيما إذا كانت عمليات الاختطاف قد خلقت مناخاً بين الجماهير الفلسطينية لم تتمكن حركة المقاومة من استيعابه والتقاطه وبالتالي تنظيمه، نعم قد تكون هذه هي المسألة، لكن حتى لو كانت هذه المسألة صحيحة فقد قاتلنا لمدة اثني عشر يوماً في سبتمبر وبذلك جعلنا الجيش الأردني يقاتل أطول حرب في تاريخه بسبب ما فعلناه.

– في أيلول، رأى كثير من المعلقين أن المقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تنتصر إلا إذا انشق الجيش الأردني نفسه والتحق جزء منه بالمقاومة، أو إذا تدخل نظام عربي خارجي – سوريا أو العراق – وساعد بذلك هل كنتم تتوقعون حدوث أي من هذه الاحتمالات؟
كنفاني: لا أعتقد أن أياً من هذين الأمرين كان من الممكن أن يعطيا المقاومة انتصاراً، فظروف حرب العصابات مختلفة، وما هو مهم من عمل معين هو الهدف من هذا العمل. كان هدف النظام الأردني إنهاء المقاومة تماماً. لكن هدف المقاومة الفلسطينية لم يكن الاطاحة بالنظام الأردني بل مجرد الضغط عليه و لم ينجح أي من هذين الهدفين لذلك لم يفز أحد حقاً، بالطبع إلى حد ما، وكان علينا أن نستسلم لبعض النقاط وأن نعود للعمل تحت الأرض من جديد لكن المعركة لا تزال مستمرة و التراجع للنشاط تحت الأرض أو إلى الجبال ليس سوى جانباً تكتيكياً لإعادة توازن القوى.

– أنت لا تنكر بعد أحداث سبتمبر أن إمكانية العمليات ضد “إسرائيل” من الأردن وغرفة العمليات السياسية العسكرية للمقاومة كي تستطيع المناورة من داخل الأردن قد تقلصت بشكل كبير؟ ألا تستمر المملكة الهاشمية في محاولتها نزع سلاح الميليشيات في عمان والتحكم بالسيطرة المباشرة على مخيمات اللاجئين وغير ذلك من المواقف القوية؟
كنفاني: أعرف، لا أنكر أن النظام الأردني قد فاز ببعض الأرض، وأجبرنا على التراجع. ولكن أود أن أشير هنا إلى أمرين، لوضع أحداث أيلول / سبتمبر في سياقهما الطبيعي.

لقد نجح النظام الأردني تقريباً في منعنا من شن أي غارات ضد “إسرائيل” قبل سبتمبر / أيلول وهذا لم يكن نتيجة سبتمبر، ولكنه أحد العوامل التي أدت إلى سبتمبر. كان علينا أن نقول لشعبنا أننا نفعل شيئا؛ لم نتمكن من الجلوس في عمان وعدم فعل أي شيء، ونحن الآن في الجبال، في مرحلة تحضيرية، واتخذت الثورة شكلاً أكثر واقعية مما كانت عليه عندما ظن الناس أنها في مرحلة متقدمة جداً. أنا ضد القول بأننا هُزمنا، لأنه في الماضي، كنا نبالغ بما لدينا من قوة حقيقية، لدينا الآن حجم متناسب مع قوتنا.

ولم يكن لدينا مجال للمناورة أمام شعبنا والرأي العام العالمي، ولم يكن لبعض القادة مثل هذه القاعة حتى أمام مقاتليهم. وسوف يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لاستعادة توازن القوى السابق مع الحكومة الأردنية وسنواصل التراجع إلى أن نحقق الفهم الصحيح لقوتنا. هناك الكثير من الأمثلة في التاريخ عن أناسٍ عاشوا مع بنادقهم في الجبال، أن كمين لشاحنة وإطلاق النار على الجندي المعادي، وتحقيق أي شيء آخر. هذه هي المسألة وهناك نقاش جاري داخل المقاومة حوله. بل إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تُتهم بعدم الرغبة في تسليم أسلحة الميليشيات، في الواقع لا أعتقد أن مقاتلاً من ” فتح ” سيسلم أسلحته.

– إلى أي مدى غيرت الجبهة الشعبية استراتيجيتها منذ سبتمبر؟ وكان جورج حبش قد ذكر في كانون الثاني / يناير أن الوقت قد حان للإطاحة بالملكية الهاشمية. هل هذا صحيح؟

كنفاني: لقد أصرت الجبهة الشعبية دائماً على أن لدينا أربعة أعداء متساوين: “إسرائيل”، الصهيونية العالمية، الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والرجعية العربية. إن الإطاحة بهذه الأنظمة العربية الرجعية هي جزء من استراتيجيتنا، وهي جزء من تحرير فلسطين. يجب أن تكون الإطاحة بالنظام الأردني جزءاً من برنامج التحرر الوطني فلسطيني. وعلينا أن نفعل ذلك، ولكن ليس بالضرورة غداً. لقد أصرينا دائماً على ضرورة القيام بذلك، ولكنه يجب أن يشّكل جزءاً من خط استراتيجي عام.

–لقد انقضى الآن خمسة أشهر على أحداث أيلول ما هي، برأيك الآثار على الشعب الفلسطيني؟
كنفاني: من الطبيعي أن يغادر البعض أثناء فترات القتال الشاق. إن فترات النضال المتقدمة جذابة للناس الذين ينضمون لعدم وجود ثمن للانضمام إلى الثورة. ويبقون في المنزل، ويواصلون الذهاب إلى وظائفهم؛ وإذا كان هناك شخص يدرس في جامعة دمشق على سبيل المثال، فإنه يمكن أن يستنكف سنة واحدة ويعمل مع المقاومة. من ناحية أخرى، فإن صدمة مثل سبتمبر بلورت قوة الثورة، لأنها أجبرتها على العيش في الجبال. هناك الآن عناصر من الكوماندوز يعيشون في غابات عجلون في شمال الأردن؛ وهم يعيشون في الكهوف، مع محدودية المياه والغذاء، وقليل من الذخيرة. وفي هذه الحالة، لا يمكننا أن نتوقع أن الآلاف الذين ذهبوا حول عمان يرتدون الكاكي ويحملون كلاشنيكوف سوف يعيشون هذا النوع من الحياة.

في المدن التنظيم والتجنيد مختلف. فقد كان لدينا مكتب معروف، ويمكننا توظيف وتدريب الناس علناً في المخيمات. الآن لدينا علاقات مختلفة مع الجماهير: نحن لا نرتدي الكاكي ونمشي في الشارع، نحن لا نلقي الخطب في المخيمات، علينا أن نعمل بطريقة مختلفة، وهذا هو بالضبط الجزء الضروري. على الرغم من أن الوضع صعب في الجبال، والوضع هو أكثر صعوبة في المدن. والكثير من الناس لديهم “شعور البرجوازية المتسرع ” لكن نحن الآن في مرحلة التراجع عسكرياً وسياسياً وهذا ليس خطأ وليس خطراً ولكنه يسبب مشاكل نفسية، بسبب الحاجة إلى إبقاء الناس معنا.

وتدعو بعض العناصر في الضفة الغربية الآن إلى إقامة دولة فلسطينية. كنا نعلم أنهم كانوا يناقشون هذه الخطة بشكل خاص بين بعضهم البعض لمدة ثلاث سنوات بعد حرب يونيو / حزيران 1967، وأنهم كانوا على اتصال مع الإسرائيليين ومع الرجعية العربية ومع الإمبرياليين. ولم يجرؤوا على إعلان هذا المشروع علناً إلا بعد أن أجبرت حركة المقاومة على الرجوع إلى الوراء. في الوقت نفسه، جعلت الأحداث التي وقعت في أيلول / سبتمبر الجماهير في الضفة الغربية على علم بما يعنيه عودة الملك حسين مرة أخرى، وما يترتب على ذلك من رد فعل شعب تحت الاحتلال دون تنظيم سليم وهو القول ” حسين مرة أخرى “. وبالنسبة للضفة الغربية ستكون الدولة الفلسطينية أفضل من نظام الملك حسين مجددا وهذا رد فعل مؤقت جداً، وناتج عن صدمة نفسية.

غزة قصة أخرى تماماً. إذ أن المقاومة في الضفة الغربية والضفة الشرقية كانت في حالة دفاع لكنها تصاعدت فجأة في غزة وبطريقة رائعة. فالجبهة الشعبية لها أقوى نفوذ في غزة ولذلك كان لنا فعلنا، واسمح لي أن أذكر حالة واحدة محددة، إن يوسف الخطيب “أبو دهمان” كان رئيس العمليات العسكرية للجبهة الشعبية في غزة واستشهد في بداية كانون الأول / ديسمبر ومع ذلك ولمدة ستة أيام متتالية كانت هناك إضرابات مستمرة ومظاهرات جماهيرية في غزة لذلك كان الجميع يعرفون أن الرجال لا يزالون يقاتلون. وأدى ذلك إلى رفع مستوى العمل في غزة على الرغم من أن إصاباتنا أصبحت أعلى مما كانت عليه من قبل .

–ما الذي جعل غزة متشددة أكثر ؟

كنفاني: يبلغ عدد سكان غزة 360،000 نسمة. معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين. في غزة يعرف الناس السلاح فقد تم تدريبهم من قبل جيش التحرير الشعبي في ظل الإدارة المصرية، على عكس الضفة الغربية. وهناك عامل آخر وهو أن المصريين قمعوا الحركة القومية العربية في غزة لكن ليس إلى الحد الذي فعله الملك حسين في الضفة الغربية فعندما احتُلت غزة كانت خلايا الفدائيين ما تزال هناك، في حين سلّم الملك حسين الضفة الغربية للإسرائيليين أرضاً ‘نظيفة’، كأنه وضعها بنفسه، لم تكن هناك خلية واحدة، أما في غزة فقد كان لدينا الحد الأدنى من البنية لنبدأ، ثم أن هناك أيضاً عامل نفسي، فغزة محاصرة غرباً ببحر، وجنوب سيناء، شرقاً من النقب، ومن الشمال من قبل “إسرائيل”.

الفلسطينيون في غزة محاصرون نفسياً، واعتادوا الصعوبات ثم أن الاتصالات في الضفة الغربية كانت أسهل بكثير في الأشهر الأولى من الاحتلال فقد كان من الأسهل إرسال الأموال والرجال والأسلحة إلى المنطقة، لقد استخدم الناس في الضفة الغربية الأساليب الأسهل، ولم يتمكنوا من مقاومة الإجراءات الإسرائيلية المضادة. اما في غزة كانت أكثر صرامة وأكثر مهنية. كان هناك عامل آخر هو أن النظام الأردني في عمان لا يزال يدفع رواتب المعلمين والمفتشين وموظفي الدولة وما شابه ذلك؛ هذا هو السبيل الوحيد للأنظمة الرجعية من أجل الحفاظ على ولاء هؤلاء الناس. كما دفع “الإسرائيليون” رواتب لهؤلاء الأشخاص. وليس صحيحاً أن معظمهم كانوا ضد المقاومة، لكنهم لم يكونوا في عجلة من أمرهم، أما في قطاع غزة فالناس يتعرضون لضغوط أكبر.

الآن أودّ أن أشير إلى بعض الملاحظات العامة، في كل ثورة هناك موجة أولية من الحماس الذي يتلاشى بعد فترة، لأنها ليست عميقة الجذور. وأعتقد أن موجتنا الأولى بلغت ذروتها في معركة الكرامة في آذار / مارس 1968؛ وبعد ذلك، بدأنا في التراجع، لأننا كنا نعود إلى أبعادنا الحقيقية، في مثل هذه الفترات من الانتكاس، دائماً هناك انقسامات، مبالغة، رومانسية، الميول إلى الفردية وتحول الثورة إلى أسطورة وهلم جرا. هذه هي أمراض العالم المتخلف، ويعبرون عن أنفسهم فيما بعد في فترة لا يشارك فيها أحد في أي عمل ثوري حقيقي، ولكن مع ذلك يعتبر المرء أن الثورة إذا لم تتطور نتيجة هذا، أو إذا لم تفعل شيئا مثل مسيرة ماو الطويلة، أو اكتسبت زخماً من الخارج خلال تحرر الدول العربية فإن الهزائم سيكون لها تأثير خطير على معنويات الجماهير، لهذا نقول أن فترة التراجع لم تبدأ في أيلول / سبتمبر، بل بدأت بعد معركة الكرامة.

– يمكن أن نأتي الآن إلى مسألة “إسرائيل” نفسها، هل تعتقد أن هناك شيئا كدولة “إسرائيلية”؟

كنفاني: جادلت مجموعة ( ماتسبن ، لحركة الاشتراكية في اسرائيل) وآخرين داخل “إسرائيل” بأنه قد لا تكون هناك في الأصل أمة يهودية، ولكن المهاجرين اليهود الذين جاءوا إلى فلسطين أقاموا مجتمعاً جديداً يمكن أن يُطلق عليه “الأمة الإسرائيلية”، هذا هو حل “ماكسيم رودنسون”، إنه ” حل فكري رائع ” فهذا يعني أن أي مجموعة من المستعمرين الذين يشغلون منطقة ما ويبقون هناك لفترة من الوقت يمكن أن تبرر وجودهم بقولهم إنهم يتطورون إلى أمة ؟!.

– أنت لا تعتقد أن “الإسرائيليين” أمة؟
كنفاني: لا، لا، إنها حالة استعمارية.

ما لديك هو مجموعة من الناس جُلبت لعدة أسباب، مبررة وغير مبررة، إلى منطقة معّينة من العالم. هم جميعا يشاركون في حالة استعمارية، بينما توجد بينهم أيضا علاقات استغلال. وأوافق على وجود استغلال للعمال “الإسرائيليين”. ولكن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث هذا، فقد كان العرب في إسبانيا في نفس الموقف، كانت هناك دروس للعرب في إسبانيا، لكن التناقض الرئيسي في إسبانيا كان بين العرب، ككل، وبين الشعب الإسباني.

–هل ترى تناقضات في صفوف السكان “الإسرائيليين” يمكن أن تقسمهم في المستقبل، وتوفر للمقاومة الفلسطينية حلفاء داخل المجتمع “الإسرائيلي”؟
كنفاني: بالتأكيد، ولكن هذا لن يحدث بسهولة، أولا ًوقبل كل شيء، يجب علينا تصعيد الثورة إلى المرحلة التي تشكل بديلاً لهم، لأنه حتى الآن لم تشكّل ذلك، من غير المعقول أن نتحدث عن ” فلسطين الديمقراطية” في هذه المرحلة نظرياً وهو ما قد يشكّل أساساً جيداً للمناقشات المستقبلية، لكن هذه المناقشة لا يمكن أن تحدث إلا عندما تكون المقاومة الفلسطينية بديلاً واقعياً.

–هل تقصد أن تكون قادرة على توفير بديل عملي للبروليتاريا “الإسرائيلية”؟
كنفاني: نعم، فعلاً. لكن في الوقت الحالي من الصعب جدا أن تحصل الطبقة العاملة الإسرائيلية على صوت المقاومة الفلسطينية، وهناك عدة عقبات أمام ذلك. وهي تشمل الطبقة الحاكمة “الإسرائيلية” والطبقات الحاكمة العربية. فالطبقات الحاكمة العربية لا تقدم لا “للإسرائيليين” ولا للعرب احتمالات للديمقراطية. ويمكن للمرء أن يسأل: أين توجد ديمقراطية في العالم العربي؟ ومن الواضح أن الطبقة الحاكمة “الإسرائيلية” تشّكل عقبة أيضاً. ولكن هناك عقبة ثالثة، وهي الفائدة الحقيقية، إن كانت صغيرة، التي تستمدها البروليتاريا “الإسرائيلية” من مركزها الاستعماري داخل “إسرائيل”. ليس فقط في حالة العمال “الإسرائيليين” استعمارياً، ولكنهم يستفيدون من أن “إسرائيل” ككل قد جندت للقيام بدور محدد في التحالف مع الإمبريالية. وهناك حاجة إلى نوعين من الحركة لكسر هذه الحواجز، حتى يكون هناك اتصال في المستقبل بين بروليتاريا “إسرائيلية” معادية للصهيونية وحركة المقاومة العربية. وستكون هذه حركة المقاومة من ناحية وحركة معارضة داخل “إسرائيل” نفسها؛ لكن ليس هناك أي علامة حقيقية على هذا التقارب حتى الآن، لأنه، على الرغم من وجود( ماتزبن ، الحركة الاشتراكية في اس
رائيل) سيكون من الضروري وجود حركة بروليتارية جماعيّة.